علي بن أحمد المهائمي

25

تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )

قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) وكان عليه السّلام يستعجل بالقراءة قبل فراغ جبريل من الوحي ( وَ ) لا تكتف بالتأمل مع التأنى بل ( قُلْ رَبِّ ) يا من رباني بالوحي ( زِدْنِي عِلْماً ) بالكشف عن اسراره الغير المتناهية ( وَ ) لا يكن عهدك بترك الاستعجال ولا بطلب زيادة العلم كعهد آدم فانا ( لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ) أن لا يقرب من الشجرة ولا يسمع من إبليس ( مِنْ قَبْلُ ) أي من قبلك فلا يبعدان ترثه منه ( فَنَسِيَ ) العهد ( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) في حفظه ( وَ ) اذكر لتحقيق ذلك ( إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) لتكونوا مسخرين له قائمين بمصالحه ( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) لأنه ( أَبى ) أن يكون مسخرا له بل أراد ان يعاديه ( فَقُلْنا ) تنبيها له ( يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ ) يريد افساد أمورك ( وَلِزَوْجِكَ ) إذ في افساد أمورها افساد أمورك وأجل وجوه الافساد اخراجكما من الجنة ( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ ) إلى دار الابتلاء ( فَتَشْقى ) بالابتلاء إذ يتمكن من افساد أمورك باحواجك إلى الأموال لتوقف حوائجك في دار الابتلاء على تحصيلها من حرام وحلال وليست تلك الحوائج في الجنة ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها ) فلا تحتاج إلى الطعام الذي يفتقر اليه في قوام البنية ( وَلا تَعْرى ) فلا تحتاج إلى اللباس الذي يفتقر اليه في ستر العورة ( وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها ) فلا تحتاج إلى الماء الذي يفتقر اليه في هضم الطعام ( وَلا تَضْحى ) فلا تحتاج إلى البيت الذي يفتقر اليه في دفع الحرّ فلما رأى الشيطان أن عداوته لا تتم ما دام في الجنة لعدم افتقاره إلى الأموال التي تكتسب من الحلال والحرام حاول اخراجه منها ( فَوَسْوَسَ ) أي حدث حديثا وأصلا ( إِلَيْهِ ) أي إلى ظاهره وباطنه ( الشَّيْطانُ ) إذ ( قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) أي التي يفيد أكل ثمرتها الخلد في الجنة ( وَ ) على ( مُلْكٍ ) هو ازدياد القرب من الرب بحيث ( لا يَبْلى ) فضلا عن الزوال أراهما شجرة الفناء شجرة الخلد وسبب زوال الملك سبب دوامه بل سبب الخزي سبب القرب فاستمعاله ونسيا عهد ربهما ( فَأَكَلا مِنْها ) فنزع عنهما ملك كل شئ حتى نزع لباسهما ( فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) أي ظهرت لهما عوراتهما ( وَ ) لم يجدا لباسا آخر لذلك ( طَفِقا ) أي شرعا ( يَخْصِفانِ ) أي يلزقان ( عَلَيْهِما ) بعضا ( مِنْ وَرَقِ ) أشجار ( الْجَنَّةِ ) فحصل لهما هذا الخزي بدل جاء الملك المخلد وحصل لهما يدل شجرة الخلد هذه الأوراق الفانية عليهما من سائر أشجار الخلد التي يتجدد أوراقها كلما سقط منها ورقة ( وَ ) افتضحا فضيحة أخرى معنوية إذ وقع بين الملائكة وأهل الجنة انه ( عَصى آدَمُ رَبَّهُ ) بارتكاب النهى وهو وان كان سهوا لكنه من تقصيره في حفظ العهد ( فَغَوى ثُمَّ ) انه لمزيد تذلله ( اجْتَباهُ رَبُّهُ ) لتقريبه ( فَتابَ عَلَيْهِ ) لمحوه سبب بعده ( وَهَدى ) لزيد أسباب القرب حتى تم اجتباؤه ومع ذلك ابتلاه وذريته بما يحصل مقصود إبليس به إذ ( قالَ ) لآدم وحواء ( اهْبِطا مِنْها ) أي من الجنة ( جَمِيعاً ) أي مجتمعين مع إبليس اجتماعا فيه ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) فالمرأة عدو الزوج في الجائه إلى تحصيل الحرام والزوج عدوّها في انفاقه عليها وإبليس يوقع الفتنة بينهما ويدعوهما إلى أنواع المفاسد التي لا ترتفع الا باتباع الامر السماوي ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) أي فان تحقق اتيان هدى